صديق الحسيني القنوجي البخاري
33
فتح البيان في مقاصد القرآن
جبير نحوه . وعن الحكم بن عتيبة قال : نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب ، وكانت الأوقية يومئذ أربعين واثنين مثقالا من ذهب . ثم أخبر اللّه سبحانه عن الغيب على وجه الاعجاز فقال : فَسَيُنْفِقُونَها أي سيقع منهم هذا الإنفاق وسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة وعدم الظفر بالمقصود فحصلت المغايرة ثُمَّ تَكُونُ أي عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم عَلَيْهِمْ حَسْرَةً كأن ذات الأموال تنقلب حسرة وتصير ندما لفوات ما قصدوه بها ثُمَّ آخر الأمر يُغْلَبُونَ في الدنيا كما وعد اللّه في مثل قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ومعنى ثم في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد ، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل الأموال وعدم حصول المقصود من المباينة . ثم قال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي استمروا على الكفر لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقا من أسلم وحسن إسلامه إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ أي يساقون إليها لا إلى غيرها . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 37 ] لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 37 ) ثم بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل فقال : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ وهم الكافرون مِنَ الطَّيِّبِ وهم المؤمنون ، قال ابن عباس : يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة ، وقيل العمل الخبيث من العمل الطيب ، وقيل الإنفاق في طريق الشيطان وسبيل الرحمن ، وقيل الخبيث والطيب صفة للمال ، والتقدير ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من الطيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته صلى اللّه عليه وسلم ، فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها ، كما في قوله تعالى : فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [ التوبة : 35 ] . قال في الكشاف : واللام على هذا متعلقة بقوله : ثم تكون عليهم حسرة ، وعلى الأول بيحشرون ، انتهى . وعن شمر بن عطية قال : يميز يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم . وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ أي يجعل فريق الكفار الخبيث بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ أي فوق بعض فَيَرْكُمَهُ الركوم عبارة عن الجمع والضم ، أي يجمع بعضهم إلى بعض ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم ، يقال ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه ، وبابه نصر ، وارتكم الشيء وتراكم اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه .